سيد محمد طنطاوي
142
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن ، عندما استمعوا إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، ويتقرب إلى اللَّه - تعالى - بالعبادة فقال : * ( وأَنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّه يَدْعُوه كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْه لِبَداً ) * . أي : وأوحى اللَّه - تعالى - فيما أوحى من شأن الجن ، * ( أَنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّه ) * وهو محمد صلى اللَّه عليه وسلم * ( يَدْعُوه ) * أي : يدعو اللَّه - تعالى - ويعبده في الصلاة ، * ( كادُوا ) * أي : الجن * ( يَكُونُونَ عَلَيْه لِبَداً ) * أي : كادوا من شدة التزاحم عليه ، والتكتل حوله . . يكونون كاللبد ، أي : كالشىء الذي تلبد بعضه فوق بعض . ولفظ « لبدا » جمع لبدة ، وهي الجماعة المتزاحمة ، ومنه لبدة الأسد للشعر المتراكم في رقبته . ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال : وأنه لما قمت تدعو اللَّه . . أو لما قمت أدعو اللَّه . . . تكريما للنبي صلى اللَّه عليه وسلم حيث وصفه بأنه « عبد اللَّه » لما في هذه الإضافة من التشريف والتكريم . والجن : إنما ازدحموا حول الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهو يصلى ويقرأ القرآن . . . تعجبا مما شاهدوه من صلاته ، ومن حسن قراءته ، ومن كمال اقتداء أصحابه ، قياما ، وركوعا ، وسجودا . . . ومنهم من يرى أن الضمير في « كادوا » يعود لكفار قريش ، فيكون المعنى : وأنه لما قام محمد صلى اللَّه عليه وسلم يدعو ربه . . . كادوا من تزاحمهم عليه ، يكونون كاللبد ، لا لكي ينتفعوا بما يسمعون ، ولكن لكي يطفئوا نور اللَّه بأفواههم ، والحال أن اللَّه - تعالى - قد رد كيدهم في نحورهم ، وأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون . قال صاحب الكشاف : « عبد اللَّه » هو النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فإن قلت : هلا قيل : رسول اللَّه أو النبي ؟ قلت : لأن تقديره وأوحى إلى أنه لما قام عبد اللَّه ، فلما كان واقعا في كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن نفسه ، جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل ، أو لأن المعنى أن عبادة عبد اللَّه ، للَّه - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن العقل ولا مستنكر ، حتى يكونوا عليه لبدا . ومعنى « قام يدعوه » : قام يعبده . يريد : قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن ، فاستمعوا لقراءته ، وتزاحموا عليه . وقيل معناه : لما قام رسول يعبد اللَّه وحده ، مخالفا المشركين في عبادتهم كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون عليه متراكمين . . . « 1 » . ويبدو لنا أن عودة الضمير في « كادوا » على مؤمني الجن أرجح ، لأن هذا هو الموافق
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 630 .